ابن عجيبة

412

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بينك وبين اللّه : إدامة التبرّى من الحول والقوة ، ومواصلة الاستقامة ، وحفظ العهود معه على الدوام . وفي التوكل : عدم الانزعاج عند الفقد ، وزوال البشر [ بالوجد ] « 1 » ، وفي الأمر بالمعروف : التحرّز من تخلل المداهنة ، قليلها وكثيرها ، وألّا يترك ذلك لفزع ولا طمع ، ولكن تشرب مما تسقى ، وتتصف بما تأمر ، وتنتهى عما تزجر . ويقال : الصدق : أن يهتدى إليك كلّ أحد ، ويكون عليك ، فيما تقول وتضمر ، اعتماد . ويقال : الصدق : ألا تجنح إلى التأويلات . انتهى كلام القشيري . ثم شرع في غزوة الأحزاب ، التي هي المقصودة من السورة ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 9 إلى 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ( 11 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، أي : ما أنعم اللّه به عليكم يوم الأحزاب ، وهو يوم الخندق ، وكان بعد حرب أحد بسنة . إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ أي : الأحزاب ، وهم : قريش ، وغطفان ، ويهود قريظة والنضير ، وهم السبب في إتيانهم ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً أي : الصّبا ، قال عليه الصلاة والسلام : « نصرت بالصّبا ، وأهلكت عاد بالدّبور » « 2 » . قيل : كانت هذه الريح معجزة ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين كانوا قريبا منها ، ولم يكن بينهم وبينها إلا عرض الخندق ، وكانوا في عافية منها . وَ لا شعور لهم بها . وأرسلنا عليهم جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة ، وكانوا ألفا ، فقلعت الأوتاد ، وقطعت الأطناب ، وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور . وكان سبب غزوة الأحزاب : أن نفرا من اليهود ، منهم ابن أبي الحقيق ، وحيى بن أخطب ، في نفر من بنى النضير ، لمّا أجلاهم النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من بلدهم ، قدموا مكة فحرّضوا قريشا على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم خرجوا إلى غطفان ، وأشجع ، وفزارة ، وقبائل من العرب ، يحرضونهم على ذلك ، على أن يعطوهم نصف تمر خيبر كل

--> ( 1 ) في القشيري [ بالوجود ] . ( 2 ) سبق تخريج الحديث عن تفسير الآية 46 من سورة الروم . فراجعه إن شئت ، أكرمك اللّه .